ابو البركات

398

الكتاب المعتبر في الحكمة

نشعر بهذا لا نجد في ذلك فرقا ندركه بذاته ولا بدليل مما ذكروا لنا . فلا فرق بين الامرين عندنا من جهة المدرك لهما والمحل الذي كل منهما محفوظ وملحوظ فيه هو ذات الواحد منا . فان قيل لو كان الذي يحفظ منا هو الذي يلحظ وما الحفظ الا كون الصورة عنده وما الإدراك الا كونها عنده واصلة اليه لزم ان كل حافظ ما دام حافظا فهو ملاحظ وليس كذلك . كان الجواب ان الامر يحتمل أحد وجهين ، وهو اما يكون المحل الذي فيه الاستثبات والحفظ قوة أخرى مع النفس وقرينتها بحيث تجدها متى التفتت إليها هي لها كالخزانة تحفظ ما تحفظ من المعاني والصور . وذلك جائز الا انه مستبعد والقول به متكلف مع عدم الدليل على اثباته ونفيه فيما علمنا إلى حيث انتهى علمنا ، واما ان يكون المدرك منا هو الحافظ لكنه يحفظ كثيرا ودائما ويلحظ شيئا فشيئا في وقت دون وقت فتذكره التفات إلى ذاته بل إلى شئ مما في ذاته وحفظه كون المتصور مستقرا في ذاته مع ملاحظته لغيره لا له . فان قيل ما الملاحظة الا الادراك والادراك هو حصول كل من المدرك والمدرك عند الآخر فكيف يكون حصول بغير ادراك وما الادراك غير الحصول فإن كان حصول الصورة عند النفس يكون في حالتي ادراك وغير ادراك فالادراك معنى زائد على حصول الصورة المدركة عند المدرك وما استفدناه في الأصول الموضوعة هاهنا - قلنا إن الادراك شئ وادراك الادراك شئ آخر وكذلك ادراك ادراك الادراك شئ ثالث فالمحفوظ مدرك للحافظ مع كونه لا يشعر بأنه مدرك له لشغله بغيره والتفاته عنه فإذا أدرك ادراكه له بالتفاته اليه شعر به وعرفه بأنه مدركه ، فالحفظ ادراك والتصور ادراك مع ادراك الادراك وذلك هو الاستثبات ، ولا يبعد مع هذا أن تكون اللطائف الجوهرية تدرك ما عندها وما عند غيرها كأنه عندها الا ان هذا هكذا ، فالعلم هو حصول الصورة المعلومة للعالم اما محفوظة غير ملحوظة في لوح ذاته أو في لوح لذاته يقدر عليه